محيى الدين محمد بن سليمان الكافيجى

41

التيسير في قواعد علم التفسير

رَبِّنا « 1 » فظهر من هذا أن المتشابه قد دل على وجوب اعتقاد حقيقة المراد منه كدلالة المحكم على وجوب اعتقاد حقيقة المراد منه ، ويقرب منه قولهم : إن العزم على فعل كل واجب إجمالا وتفصيلا عند تذكره هو من أحكام الإيمان يثبت مع ثبوته ، فعلم من هذا الجواب فساد قول من قال إن الخفاء في الدلالة مراد على الكلام لخلل في الانتقال إليه لما أخلّ ببلاغته في نحو قول عباس بن الأحنف « 2 » : سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا * وتسكب عيناي الدموع لتجمدا لوجود تعقيد فيه على ما بين في موضعه ، فالأولى أن يخل عدم الدلالة على المراد بالبلاغة فيما نحن بصدده بالطريق الأولى ؛ فإن عدم الدلالة على المراد أقوى في التعقيد من خفاء الدلالة على المراد ، ثم لا شك أن التسليم والتوقف لعدم المرجّح يعد من الكمال لا من النقصان . سئل ابن عمر عن شئ فقال : لا أدرى . وسئل أبو حنيفة عن الدهر منكّرا فيمن حلف لا يكلم زيدا دهرا ، فقال : لا أدرى مقداره ، فتوقف في الحكم أيضا لتوقفه في مقدار الدهر منكّرا . وأما الفرقة الثانية - وهم المتأخرون - فقد قالوا : إن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه ، وأن الوقف على الْعِلْمِ في قوله تعالى : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لا على ما قبله ، فإنه لو لم يكن للراسخين حظّ في

--> ( 1 ) سورة آل عمران : 7 . ( 2 ) هو العباس بن الأحنف بن الأسود ، الشاعر المشهور ، ديوانه مطبوع ( انظر أخباره في الأغانى 8 / 14 ، الواضح المبين لمغلطاى بتحقيقنا ص 276 ) .